عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
118
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
فباعتباراتها تتميز كل صفة واسم عن غيرها ، فحصل الفرق في نفس الحق من حيث أسماؤه الحسنى وصفاته ، فإن اسمه الرحيم غير اسمه الشديد ، واسمه المنعم غير اسمه المنتقم ، وصفة الرضا غير صفة الغضب ، وقد أشار إليه في الحديث النبوي عن اللّه تعالى أنه يقول : سبقت رحمتي غضبي « 1 » لأن السابق أفضل من المسبوق ، وكذلك في الأسماء المرتبة ، فالمرتبة الرحمانية أعلى من المرتبة الربية ، ومرتبة الألوهية أعلى من الجميع ، فتميزت الأسماء بعضها عن بعض فحصل الفرق فيها ، فكان الأعلى أفضل ممن له الحكم عليه ، فاسمه اللّه أفضل من اسمه الرحمن ، واسمه الرحمن أفضل من اسمه الرب ، واسمه الربّ أفضل من اسمه الملك ، وكذلك بواقي الأسماء والصفات ، فإن الأفضلية ثابتة في أعيانها ، لا باعتبار أن في شيء منها نقصا ولا مفضولية ، بل لما اقتضته أعيان الأسماء والصفات في أفضليتها ، ولهذا حكمت بعضها على بعض ، فقيل أعوذ بمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك ، فهذا فرقان في نفس الذات ، فأعاذت المعافاة من العقوبة والمعافاة مفاعلة ، وكان العفو أفضل من فعل العقوبة ، ولهذا أعاذه منه وأعاذ الرضا من السخط ؛ فقلنا : إن صفة الرضا أفضل من صفة الغضب ، وأعاذه بذاته من ذاته ، فكما أن الفرق حاصل في الأفعال فكذلك في الصفات ، وكذلك في نفس وأحدية الذات التي لا فرق فيها ، لكن من غرائب شؤون الذات جمع النقيضين من المحال والواجب ، فكل ما يستحيل في العقل ويسوغ في العبارة والنقل فإنها تشهده من الأحكام الواجبة في الذات ، وإلى ذلك أشار الإمام أبو سعيد الخراز بقوله : عرفت اللّه بجمعه بين الضدّين . ولا تظن بأنه مطلق جمعه للأول والآخر والظاهر والباطن ، بل الحق والخلق وعدم التفاضل والمستحيل والواجب والمعدوم والموجود والمحدود وما لا يتناهى إلى غير ذلك من النقائض ، بالضاد المعجمة ، والأضداد ، فإنه سبحانه وتعالى يجمعها بالشأن الذاتي ، وهويته عبارة عن جميع ذلك ، وهذا معنى قوله : فافهم . وإذا عرفت فالزم ، واللّه يقول الحق وهو يهدي للصواب ، وإليه المرجع والمآب . الباب السادس والثلاثون : في التوراة أنزل اللّه تعالى التوراة على موسى في تسعة ألواح وأمره أن يبلغ سبعة منها ويترك لوحين ، لأن العقول لا تكاد تقبل ما في دينك اللوحين ، فلو أبرزهما موسى
--> ( 1 ) سبق تخريجه .